الاستيلاء على المعادن والكنوز في الشريعة والقانون
أشارت المادة لعنوان الفرع الثاني في القانون المدني اليمني بـ الركاز والكنز، والمراد بهما لغةً: يعني المال المجموع المدخر، وفي الاصطلاح قال ابن عابدين: اسم للمثبت في الأرض بفعل الإنسان، والكنز أعم من الركاز؛ لأن الركاز دفين الجاهلية فقط، والكنز دفين الجاهلية وأهل الإسلام، وإن اختلفا في الأحكام([1])، ومعنى الدفين ما أخفي تحت أطباق التراب فهو دفين ومدفون([2]). والمراد بالجاهلية: هو الشيء المدفون قبل مبعث النبي ﷺ. وعلى هذا نأصل معنى ثلاث مصطلحات عند الفقه الشرعي، المعدن، الركاز، الكنز.
الفرع الأول الاستيلاء على المعادن:
والمعادن هي المواد غير عضوية الموجودة في الطبيعة، لها مكونات كيميائية وشكل بلوري محدد، وفي حكم المعدن الصخور أو الأحجار لأنها متكونه من اختلاط معادن، وهي قد تكون صلبة كما تقدم أو سائلة كالنفط، ويستوي أن تكون ذهباً وفضةً، أو ألماساً، أو نفطاً، أو ليثيوم، أو يورانيوم، وغيرها من المعادن، والاستيلاء على المعادن يأخذ طابع الجهد، بمعنى هو يختلف عن مفهوم الركاز والكنز بكون صاحبه يبحث عن تلك المعادن على سبيل الحرفة غالباً، كعمال تنقيب المناجم وغيرها.
أ-حكم تملك المعادن: فإذا وجدت المعادن في أرض مملوكة لشخص “فإنه يكون ملكاً لصاحب الأرض”، أما إذا كانت منفعة الأرض لشخص ورقبتها لآخر، ثبت الحق في المعادن لمالك الرقبة دون صاحب المنفعة، لأن حق الانتفاع يرد على استغلال الأرض لا على عناصرها الأصلية. والحكم السابق في حال وجود معدن بطريق التصادف، أما التنقيب عنه فالمشرع لم يجعل هذا الحق مطلقًا، بل قيده باعتبارات المصلحة العامة، فمنح الدولة وحدها حق التنقيب عن المعادن، وأوجب عليها تعويض مالك الأرض تعويضًا عادلًا عما يصيبه من ضرر، كما جعل المعادن المستخرجة عن طريق التنقيب من حق الدولة، وحظر على الأفراد مباشرة أعمال التنقيب إلا بترخيص منها أو فيما جرى به العرف([1]).
بمعنى آخر، أقرت المادة (1229) أن ملكية المعدن تتبع ملكية الأرض، فإن كانت الأرض مملوكة لشخص ووجد معدناً ثميناً فهي تقر تملكه لها، وتفرض عليه تبعاً دفع الخمس للدولة.
ب-حكم حق الدولة في المعادن: “قال الحنفية: في المعادن الخمس؛ لأن الركاز عندهم يشمل المعادن والكنوز بمقتضى اللغة. وقال الشافعية: لا يجب في المعادن شيء للدولة، لا الخمس وغيره، وإنما يجب فيها الزكاة، لقول النبي ﷺ: «العجماء جُبَار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس»([2]) فأوجب الخمس في الركاز: وهو دفين أهل الجاهلية، ولم يوجب في المعدن شيئاً؛ لأن «الجبار» معناه: لا شيء فيه”([3]). “وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: أن المعادن أمرها للإمام يتصرف فيها بما يرى أنه المصلحة، وتجبُ في المعدن من ذَهَب أو فِضَّة دُونَ غَيرِهَا الزَّكَاة. وقال الحنابلة: تجب الزكاة في المعدن الذي يخرج من الأرض مما يخلق فيها من غيرها مما له قيمة كالذهب والفضة والحديد والياقوت والبلور والكحل ونحوه، وكذلك المعادن الجارية كالقار والنفط والكبريت ونحو ذلك، لعموم قول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ﴾([4])الآية..”([5]).
وخلاصة ما استقرأناه من أقوال، يتضح لنا اعتناق المشرع قول الحنفية، بوجوب إعطاء الدولة الخمس في المعادن. ومنع المشرع اتخاذ التنقيب حرفة دون ترخيص؛ لأن تصرف الأمام على الرعية منوط بالمصلحة فيمنع ويجيز بناءً عليه.
الفرع الثاني: الاستيلاء على الركاز:
والركاز كما بيناه-سابقاً-هو لفظ خاص عند جمهور الفقه (الحنابلة والشافعية والمالكية) إن أورد فهو يقصد به الكنز المدفون قبل بعثة النبي ﷺ أي الجاهلي. ” ويعرف بأنه كذلك بما يدل عليه من شواهد كأن يوجد عليه شعار أو كتابة يدلان على أنه دفن قبل الإسلام أو عرف ذلك بأي طريق من الطرق”([6]).وله حكمان:
أ-إذا وجد في أرض مملوكة فإنه يكون لمالك تلك الأرض التي يوجد فيها وعليه الخمس للدولة، وإذا وجدها المنتفع فهي تعد ملك صاحب الأرض وليس له أخذه([7]).
ب-إذا وجد في أرض غير مملوكة لأحد فإنه يكون لمن وجدها (المادة 1227)، وعليه الخمس للدولة.
الفرع الثالث: الاستيلاء على الكنز.
ذكر في القرآن الكنز في الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾([8])، وهي بيان حال من يدخر المال ولا يؤدي ما فرضه الله من الزكاة، “والكنز ما روي عن ابن عمر t أنه قال: هو المال الذي لا تؤدى منه الزكاة”([9]). وعلى هذا فالكنز-لفظ عام إن أورد قصد به الكنوز والركاز-: هو ما دفنه الناس، سواء في الجاهلية أم في الإسلام. ويستوي أن يكون مدفوناً تحت التراب، أو مخبوءً داخل دولاب سري، أو قبو، أو داخل جذع شجرة، أو داخل مغارة وكهف.
الكنز الجاهلي: ما وجد عليه كتابة أو علامة تدل على أنه دفن قبل الإسلام كنقش صورة صنم أو وثن، أو اسم ملك جاهلي أو عرف أنه جاهلي بأي وسيلة حديثة. فإن وجد في ملك أحدهم فهو ملك له، ويدفع خمسة للدولة. وإن وجد في مكان ليس مملوكاً لأحد فإن ملكيته لمن وجده، وعليه الخمس للدولة.
الكنز الإسلامي: الكنوز الإسلامية هي التي يغلب في الظن نسبتها إلى أحد من المسلمين، وذلك إذا كان عليها نقش من النقوش الإسلامية، ككلمة التوحيد أو الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، أو اسم ملك من ملوك الإسلام أو أية علامة أخرى من العلامات الدالة على نسبة الكنز إلى أحد من المسلمين([10]). فإن عرف من خلال الأثر مالكه فإنها تعود إلى ورثته، وإن لم يعرف مالكه فهو على ضربين: الأول أن يدعي مالك الأرض ملكيته للكنز، ويكون له الكنز، الثاني عدم ادعاء مالك الأرض ملكيته للكنز، فيصير حينئذ في حكم اللقطة (وسنبينها في المطلب القادم).
__________________________
([1]) الموسوعة الفقهية الكويتية، المرجع السابق، ج23، ص99.
([2]) أحمد بن محمد بن علي الفيومي، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، المكتبة العلمية، بيروت، مادة (د ف ن).
__________________________
([1]) ينظر: الدستور اليمني، المادة (8).
([2]) أخرجه البخاري، (6912)، ومسلم، (1710).
([3]) الدكتور وهبة الزحيلي، المرجع السابق، ج6، ص 4568.
([4]) سورة البقرة، الآية (267).
([5]) الموسوعة الفقيهة الكويتية، المرجع السابق، ج38، ص198 وما بعد.
([6]) الدكتور محمد الغشم، المرجع السابق، ص145.
([7]) وأغفل القانون حكم من عثر عليها، كما فعلت التشريعات الأخرى بأن يعطى له نصيب.
([8]) سورة التوبة، الآية (34).
([9]) عماد الدين أبو الفداء بن كثير الدمشقي، تفسير القرآن العظيم، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1998م، ج4، ص122.
([10]) الموسوعة الفقهية الكويتية، ج35، ص143.
المصدر: كتاب الميسر في الحقوق العينية
المؤلف: عمر سالم بن مسلم
الصفحة: 152-155
