القيود الاتفاقية كقيود خاصة على الملكية في القانون اليمني

تستمد النوازل الفقهية العقارية أحكامها مما يورده الفقهاء حكماً بهذه النازلة، ومن النوازل التي تعد كذلك مسألة القيود الاتفاقية بين الملاك، فبصورة أوضح تكون في المجمعات السكنية (كمباوند) التي تكون فيها الشقق مفرزة وتباع كل شقة على حدى، وبهذه الحال يقع في العمارة السكنية أكثر من مالك، وتكون هناك جهة تنظم كل هذه العمائر السكنية قد تكون جمعية الملاك، أو إدارة الأملاك، وهؤلاء هم من قاموا ببناء تلك المجمعات الكبيرة 6 عمائر أو أكثر أو أقل-بحسب ما خططوا له-. وعند الانتهاء من تشييد تلك المباني وبيعها شققاً أو طوابق مفرزة، يوردون في العقد شروطاً تقيد من ملكية المشترى، كأن يشترطوا عدم إدخال نوع محدد من الحيوانات، أو عدم تغيير ألوان الدهان الخارجي وهكذا.  والمشرع اليمني في القانون المدني وضع مادة واحدة ولم يتبين لنا هل هو إغفال منه، أم أنه قصد عدم إيراد أحكام لها فيفهم ذلك أن مالا يدخل في حكم المادة (1179) جائز، بمجرد إقرار الشريعة له؟ سنورد في دراستنا أولاً الحكم الشرعي لها ثم نبين هذه العقود بشيء من الأمثلة.

 

القيد الاتفاقي الوارد على الشي والمقرر من المالك أو الملاك: وهو القيد الوارد على العقد بصيغة شرط تقيد المالك بإجراء معين أو الامتناع عن الإجراء بما لا يناقض العقد:

  1. ففي العقار مثلاً وجوب التزام المالك بما يقرره اتحاد الملاك، والمقصود باتحاد الملاك (جمعية الملاك): هيئة من ملاك الوحدات العقارية تتولى إدارة الوحدة.([1]) وتلزم غالباً بعدم تغيير لون الدهان الخارجي للمبنى أو المجمع السكني (الكمباوند)، أو عدم ادخال نوع من الحيوانات، أو اغلاق الباب الموحد في ساعات معينة إلى غيرها من الشروط التي الغرض منها تحقيق مصلحة الجميع.
  2. وفي المنقول كاشتراط شركة سيارات فيراري بعض السياسات الصارمة تمنع العملاء من بيع سياراتهم خلال السنة الأولى من الشراء، وإلزامهم بإخطار الشركة قبل أي عملية بيع، وتحقق من هذه السياسة مع استغلال الإصدارات المحدودة والحفاظ على فخامة وهيبة العلامة التجارية.

لا تدخل القيود الاتفاقية ضمن القيود القانونية المفروضة على حق الملكية، وإنما تنشأ بإرادة أصحاب الشأن تحقيقاً لمصلحة مشروعة، فيتفق المالك مع غيره على تقييد بعض سلطاته في الحدود التي يجيزها الشرع والقانون. ومن أمثلة ذلك ما يجري في المجمعات السكنية من اشتراط المحافظة على الطراز المعماري الموحد، كمنع تغيير ألوان الواجهات أو الشكل الخارجي للبناء؛ لأن إخلال أحد الملاك بهذه الشروط قد يؤثر في المظهر العام للمجمع، وينعكس على قيمة العقارات أو على مصالح بقية الملاك.

ويتبين من ذلك أن هذه القيود لا يقصد بها الانتقاص من حق الملكية، وإنما تنظيم ممارسته تحقيقاً للمصلحة المشتركة التي ارتضاها المتعاقدون. ولذلك فإن كل شرط يقيد بعض سلطات المالك يكون ملزماً متى كان مشروعاً، ولم يخالف نصاً في القانون أو حكماً في الشريعة، أو النظام العام والآداب ولم يناقض العقد.

والخلاصة تنعطف هذه القيود على إرادة المتعاقدين؛ ولذلك قضى المشرع ببطلان الشروط التي ترفع مقتضى العقد الناقل للملكية، كاشتراط البائع على المشتري إرجاع العين المبيعة بعد فترة، أو اشتراط الواهب عدم استهلاك الموهوب؛ نظراً لأن عقود البيع والهبة بطبيعتها الفقهية والقانونية هي عقود ناقلة للملكية بصورة نهائية، فالاشتراط المخالف لذلك يتعارض مع طبيعة العقد ويصطدم بالقانون فتبطل.

الجزاء المترتب على مخالفة القيد الاتفاقي: إذا خالف المالك القيد الذي التزم به اتفاقاً، كان الأصل إلزامه بالتنفيذ العيني بإعادة الحال إلى ما يقتضيه العقد، متى كان ذلك ممكناً. فإذا تعذر التنفيذ العيني أو أصبح غير مجدٍ، انتقل الجزاء إلى التعويض وفقاً للقواعد العامة في المسؤولية العقدية. ويتميز هذا الجزاء عن الجزاءات المترتبة على القيود القانونية؛ لأن مصدر الالتزام فيه هو العقد، لا القانون مباشرة. ولذلك فإن مجرد مخالفة المالك لما التزم به تعد إخلالاً بالعقد يرتب مسؤوليته العقدية، ولو لم يكن التصرف في ذاته غير مشروع. أما التعويض فلا يحكم به إلا إذا ترتب على هذا الإخلال ضرر يوجب جبره، وفقاً للقواعد العامة.

 

 

 

______________________

([1]) نوازل العقار، المرجع السابق، ص198.

 

 

 

المصدر: كتاب الميسر في الحقوق العينية 
تأليف: عمر سالم بن مسلم 
الصفحة: 83-86

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *